بين مطرقة الأندساس وسندان الفلول ، هل تغير شيئ ؟

عندما خرج الشعب السوري بكامل اطيافه إلى الشوارع عام 2011، لم يكن يطالب فقط بتغيير الوجوه الحاكمة، بل بتغيير العقلية التي تحكم البلاد ، كان الهدف الأسمى هو تفكيك منظومة الخوف التي صاغها نظام الأسد على مدى عقود، والتي حوّلت كل مواطن إلى رقيب على نفسه، وجعلت من الهمس في الغرف المغلقة الوسيلة الوحيدة للتعبير عن رأي مخالف. حتى الهمس كان مخيفاً بشكل ملحوظ حيث أن هنالك مثل مقولة عند السوريين الا وهي (سكوت الححيطان الها ادان )، كان الحلم هو وطن يتسع للجميع، وطن يُحتفى فيه بالاختلاف لا يُخوَّن المواطن فيه عندما يصدح صوته للعلن .

لكن بعد أكثر من عقد من الدماء والدمار، يجد السوريون أنفسهم أمام سؤال مرعب: هل حصلنا على حريتنا، أم أن الجلاد واحد وإن تبدلت الأقنعة؟

الإجابة تكمن في التشابه المأساوي بين مطرقة النظام وسندان بعض سلطات الأمر الواقع التي حلت محله. لقد استُبدلت تهمة بمرادفها، لكن عقلية الإقصاء والتخوين بقيت هي المهيمنة.

مطرقة النظام لصناعة “المندّس” لسحق أي رأي يخالفها .

أتقن نظام الأسد على مدى نصف قرن لعبة “الأمن الأيديولوجي”. لم يكن هناك شيء اسمه “معارضة وطنية” أو “رأي آخر” في قاموسه، بل كانت هناك فقط خانتان: الموالي المخلص، والعميل “المندّس”. كانت هذه الكلمة سلاحًا فتاكًا وجاهزًا للاستخدام ضد أي شخص، من المثقف الذي يكتب قصيدة ناقدة، إلى المواطن الذي يشكو من فساد موظف صغير.

هذه المنهجية لم تكن مجرد خطاب إعلامي، بل كانت استراتيجية حكم متكاملة:

  • نزع الإنسانية عن الخصم: تحويل صاحب الرأي إلى “مندّس” يجرده من قضيته ومن إنسانيته، ويجعله هدفًا مشروعًا للقمع والاعتقال والتعذيب، بل والقتل.
  • خلق حالة من الذعر الاجتماعي: زرع الشك بين أبناء المجتمع الواحد، حيث يخشى الجميع من الجميع، وتصبح تهمة “الأندساس” وصمة عار تبرر النبذ الاجتماعي قبل العقاب الرسمي.
  • تبرير العنف المطلق: لا يمكن التفاوض مع “مؤامرة”، ولا يمكن التحاور مع “مندسين”. الحل الوحيد هو السحق الأمني.

بهذه المطرقة، نجح النظام في إبقاء المجتمع في حالة من الصمت القسري، حيث ثمن الكلمة قد يكون الحياة.

سندان السلطات الجديدة استنساخ “الفلول” لإسكات كل نقد

المأساة الكبرى هي أن هذا الإرث السام لم يمت بسقوط سلطة النظام في مناطق واسعة من سوريا. بل تم استنساخه وتكييفه ليخدم الأجندات الجديدة. في المناطق التي خرجت عن سيطرة النظام، نشأت سلطات أمر واقع، عسكرية ومدنية، حمل بعضها نفس جينات الاستبداد التي ثاروا ضدها.

وهنا، تغيرت التهمة لكن بقيت الوظيفة واحدة. فكل من ينتقد ممارسات فصيل مسلح، أو يشير إلى فساد في مجلس محلي، أو يدعو إلى دولة مدنية ديمقراطية بدلاً من حكم أيديولوجي ضيق، يصبح على الفور هدفًا لوصمة جديدة: “فلول النظام”.

  • أداة التخوين الجاهزة: تمامًا كما كانت “مندّس” هي تهمة النظام، أصبحت “فلول” هي تهمة بعض كيانات المعارضة. صحفي مستقل يكشف سرقة المساعدات؟ هو من “فلول النظام” يسعى لتشويه صورة الثورة. ناشط مدني يرفض حمل السلاح؟ هو من “فلول النظام” يريد إضعاف الجبهات. امرأة تطالب بحقوقها؟ هي من “فلول النظام” تنشر الفكر “العلماني” الهدّام.
  • محاربة النقد الداخلي: هذه السلطات الجديدة، في هشاشتها وافتقارها للشرعية الشعبية الكاملة، رأت في النقد الداخلي خطرًا وجوديًا يوازي خطر النظام نفسه. فكان الحل الأسهل هو قمعه عبر تخوينه، بدلاً من التعامل معه كجزء صحي من بناء مجتمع جديد.
  • “حكومة الشرع” كنموذج فكري: يشير مصطلح “حكومة الشرع” الذي يستخدمه البعض، ليس فقط إلى التنظيمات المتطرفة، بل إلى عقلية أوسع تعتبر نفسها المالك الحصري للحقيقة والشرعية، سواء كانت دينية أو عسكرية. هذه العقلية لا تقبل المراجعة أو النقد، وتعتبر أي مخالفة لرأيها خروجًا عن “صوابية” الثورة أو “صحيح” الدين.

النتيجة: الجلاد واحد.. والحرية مؤجلة

إذًا، هل حصل الشعب على حريته؟ الإجابة القاسية هي لا. لم يحصل على الحرية الأساسية التي قام من أجلها: حرية التفكير والتعبير دون خوف من التخوين.

الجلاد ليس شخصًا، بل هو عقلية. عقلية ترى في المواطن عدوًا محتملاً يجب إخضاعه، لا شريكًا في الوطن يجب الاستماع إليه. هذه العقلية أثبتت أنها قابلة للانتقال والعدوى. لقد حارب البعض نظام الأسد، لكنهم تشربوا أساليبه في قمع الفكر.

النتيجة هي أن المواطن السوري الذي عانى من تهمة “الأندساس” على يد شبيحة النظام، يعاني اليوم من تهمة “الفلول” على يد بعض من يدعون تمثيل الثورة. في كلتا الحالتين، هو مجبر على الصمت. في كلتا الحالتين، هو محروم من الاختيار الحقيقي (لا انتقاء).

إن معركة سوريا الحقيقية اليوم لم تعد فقط ضد نظام مستبد في دمشق، بل ضد ثقافة الاستبداد المتأصلة التي تسمم العقول وتقتل الحلم. وما لم يتم الانتصار في هذه المعركة الفكرية، وبناء ثقافة تقبل الاختلاف وتحترم الرأي الآخر، سيبقى الجلاد حاضرًا، وإن تغيرت ملامح وجهه ولهجة خطابه. ستبقى الحرية حلمًا مؤجلاً، وسيبقى الشعب السوري عالقًا بين مطرقة الماضي وسندان الحاضر ، ومن حرر ومن لم يحرر الجميع يستطيع أن يقرر .

أضف تعليق

تصنيف الأخبار

سوريا لكِ السلام

نزار قبانى: 
كل الدروب لدى الأوربيين توصل إلى روما
كل الدروب لدى العرب توصل إلى الشعر
وكل دروب الحب توصل إلى حلب
صحيح أن موعدى مع حلب تأخر ربع قرن
وصحيح أن النساء الجميلات لا يغفرن لرجل
لا ذاكرة له ولا يتسامحن مع رجل لا ينظر
فى أوراق الروزنامة.