عقب انهيار نظام بشار الأسد وتحول المشهد السوري بشكل جذري خلال الأشهر الماضية، يبرز تساؤل جوهري يشغل الأوساط السياسية والمواطنين السوريين على حد سواء: هل يستطيع أحمد الشرع (أبو محمد الجولاني) وهيكل هيئة تحرير الشام توحيد سوريا من جديد تحت مظلة واحدة؟ الإجابة على هذا التساؤل لا تبدو بسيطة، بل تتشابك فيها تحديات داخلية وخارجية معقدة.
في البداية الهاجس الإسرائيلي (الصهيوني )ومشروع زعزعة الاستقرار يمثل الكيان الإسرائيلي أحد أبرز مصادر القلق التي تهدد استقرار سوريا الموحدة. من خلال سياسة القصف المتواصل التي تستهدف ما يُعرف بـ “القطعات العسكرية السورية السابقة”، والتي يُنظر إليها كذراع للنظام السابق، يبدو أن إسرائيل تسعى إلى استغلال حالة الفراغ وعدم اليقين لترسيخ نفوذها وتدمير أي مقومات قوة محتملة قد تشكل تهديداً لمصالحها الأمنية. هذا القصف، الذي يتسم بالوحشية وانعدام الأخلاقية، يؤكد على مشروع إسرائيلي يرمي إلى إبقاء سوريا في حالة من الضعف والتفتت، وهو ما يطرح تحدياً أمنياً جسيماً أمام أي محاولة لتوحيد البلاد،كيف لا وهاهي تحصل على فرصة من ذهب لاضعاف احد ابرز جيرانها الأستراتيجيين واعدائها في السابق وربما في المستقبل .
فيما يخص طموحات الكرد “قسد” والدعم الأمريكي في شمال شرق سوريا (الجزيرة السورية)، تتجذر سيطرة “قوات سوريا الديمقراطية” (قسد) ووحداتها الكردية، التي تدير المنطقة منذ أكثر من عشرة أعوام بدعم أمريكي لا محدود وغير مشروط ، هذه القوات تسعى حثيثاً للحصول على اعتراف دولي بسيطرتها على هذه المناطق، مستغلة غياب سلطة مركزية فعلية في دمشق لتثبيت أطماعها الانفصالية والاقتصادية. فالسيطرة على ما يقارب 70% من حقول النفط السورية لأكثر من عقد من الزمان يعكس مدى النفوذ الاقتصادي الذي تتمتع به هذه القوى، ويجعل من تحقيق وحدة جغرافية وسياسية لسوريا أمراً بالغ الصعوبة. ناهيك عن ضخ الأفكار والمعتقدات العرقية في ادمغة اتباعها للأيمان بالقومية الكردية على مر السأعوام السابقة .
اما بالنسبة مخاوف الدروز وقضية السلاح ، تظهر مخاوف جدية لدى الطائفة الدرزية، التي ربما تتغذى على معلومات، بعضها قد يكون مغرضاً والآخر صحيحاً، عن مجازر مزعومة بحق العلويين في الساحل السوري. هذه المخاوف تدفعهم للتمسك بسلاحهم الذي ظل في حوزتهم على مدى عشر سنوات. هذا التمسك الذاتي بالسلاح يعكس عدم الثقة ويشير إلى هشاشة النسيج الاجتماعي، مما يمثل تحدياً كبيراً لأي سلطة مركزية تسعى لفرض نفوذها وجمع السلاح لتوحيد البلاد.
اخيراً، هناك فصائل مسلحة متعددة، لا تملك أساساً عسكرياً علمياً أو رؤية سياسية واضحة، تشكلت خلال سنوات الصراع ضد نظام الأسد. هذه القوى، التي تفتقر إلى هدف وطني جامع في المرحلة الراهنة، تسعى في كثير من الأحيان إلى ترسيخ سيطرتها المحلية ونهب الموارد، بعيداً عن أي رقابة أو محاسبة. وجود مثل هذه التشكيلات غير المنضبطة يعيق أي محاولة لبناء مؤسسات دولة حقيقية، ويزيد من تعقيد مهمة بسط الأمن والاستقرار.
هل سيناريو الانفصال يلوح في الأفق؟ وسط هذه التحديات، تبرز أحاديث عن احتمالية محاولات انفصال في بعض المناطق، لا سيما في الساحل السوري. وقد عززت هذه الأحاديث منشورات منسوبة لرامي مخلوف، ابن خال الرئيس السوري الأسبق، على وسائل التواصل الاجتماعي، يشير فيها إلى امتلاكه لأكثر من مئة ألف مقاتل. هذه التصريحات، وإن كانت تحتاج إلى تدقيق، تُلقي بظلالها على إمكانية نشوء كيانات مستقلة أو شبه مستقلة، مما سيزيد من تعقيد مسعى توحيد سوريا.
في ظل هذه المعطيات المتشابكة، تبدو مهمة توحيد سوريا أمام أحمد الشرع محفوفة بالمخاطر والتحديات الجسيمة. النجاح في هذه المهمة سيتطلب ليس فقط القوة العسكرية، بل أيضاً قدرة فائقة على الدبلوماسية، وبناء الثقة مع الأطراف المختلفة، وتقديم رؤية سياسية واقتصادية شاملة تلبي تطلعات جميع مكونات الشعب السوري. المستقبل وحده كفيل بالإجابة على ما إذا كان الشرع سيتمكن من تجاوز هذه العقبات المعقدة وتحقيق الاستقرار المنشود.










أضف تعليق