بعد عقود من حكم نظام الأسد الذي ارتبط اسمه بشكل وثيق بالفساد المتجذر في كافة مفاصل الدولة والمجتمع، يتبادر إلى الذهن تساؤل حارق مع التحولات الأخيرة في سوريا: هل سيرحل الفساد برحيل النظام، أم أنه سيغير جلده ويستمر في التغلغل، ولكن هذه المرة في الظل؟
لقد كان الفساد في سوريا تحت حكم الأسد ليس مجرد آفة، بل هيكلاً موازياً للدولة، جزءاً لا يتجزأ من نظام الحكم الذي اعتمد على شبكات الولاء والمحسوبية والابتزاز. من أصغر موظف إلى أعلى مسؤول، كانت “العمولات” و”الواسطات” و”الرفيقة” هي لغة التعامل اليومية. لم يكن الفساد محصوراً بالمال، بل امتد ليشمل استغلال النفوذ، احتكار الموارد، وتوجيه القرارات لمصالح فئة قليلة مرتبطة بالسلطة.
لقد عمد مظام الأسد إلى تآكل البنية التحتية الاقتصادية للدولة، وخفض الرواتب والأجور إلى مستويات كارثية، لتصل في بعض الأحيان إلى ما يقل عن 40 دولاراً شهرياً. هذا الدخل المتدني، والذي بالكاد يكفي لسد الرمق، لم يكن نتيجة عجز اقتصادي بحت فقط، بل كان بمثابة بيئة خصبة لترسيخ الفساد على أوسع نطاق. عندما لا يستطيع الموظف تأمين احتياجات عائلته الأساسية بكرامة، تُصبح الرشوة أو استغلال المنصب، ولو كان بسيطاً، وسيلة للنجاة.
بهذه الطريقة، لم يعد الفساد خياراً بقدر ما أصبح اضطراراً للعديد من العاملين في القطاع العام. يتحول الموظف، الذي يفترض أن يكون خادماً للشعب، إلى طرف في منظومة تفرض عليه التجاوز أو التغاضي عن المخالفات ليتمكن من العيش. هذه الممارسة حولت الفساد إلى “عادة” أو “نموذج سلوكي” مقبول ضمنياً، ليس لأنه صواب، بل لأنه يمثل حلولاً فردية يائسة في ظل منظومة حكم لا تبالي بظروف مواطنيها.
مع سقوط النظام، تبدأ مرحلة جديدة محفوفة بالآمال والمخاوف. فمن جهة، هناك تفاؤل بأن غياب الرأس المدبر للنظام الفاسد قد يفتح الباب أمام إصلاحات حقيقية ومكافحة جدية لهذه الظاهرة. إن الرغبة الشعبية في القضاء على الفساد هي واحدة من الدوافع الرئيسية وراء الثورة، وستكون الضغوط الشعبية كبيرة على أي سلطة جديدة لمكافحته.
ولكن من جهة أخرى، يخشى الكثيرون أن يكون الفساد قد تعمق إلى درجة يصعب اقتلاعه بسهولة، وأنه قد يتحور ويتخذ أشكالاً جديدة. فشبكات الفساد التي بُنيت على مدار عقود ليست مجرد أفراد، بل هي منظومات متشابكة لها خبرتها وعلاقاتها وأساليبها. قد تتوارى هذه الشبكات عن الأنظار، تعمل في الخفاء، وتستغل الفوضى وضعف المؤسسات في المرحلة الانتقالية لإعادة تموضعها.
- الصراع على السلطة والموارد: في ظل التنافس بين القوى الجديدة على النفوذ والسيطرة، قد تظهر أشكال جديدة من الفساد تتعلق بالتحكم في الموارد والمساعدات وإعادة الإعمار، بعيداً عن أعين الرقابة.
- غياب المساءلة الفورية: الحاجة إلى ترسيخ الاستقرار وبناء الأمن قد يؤجل التركيز الكامل على ملفات الفساد الضخمة، مما يمنح الفاسدين فرصة للتخفي أو الهروب.
لذلك، فإن التحدي الأكبر أمام سوريا الجديدة ليس فقط إسقاط النظام، بل هو بناء دولة قادرة على محاربة الفساد بشكل منهجي وجذري. وهذا يتطلب إرادة سياسية حقيقية، تفعيل دور القضاء المستقل، إشراك المجتمع المدني ووسائل الإعلام في الرقابة، وتغيير الثقافة السائدة عبر تعزيز قيم النزاهة والشفافية.
إن بقاء الفساد، حتى لو كان “بالسر”، يعني أن التغيير الجوهري لم يحدث بعد. فمكافحة الفساد ليست مجرد إجراءات قانونية، بل هي معركة ثقافية ومجتمعية طويلة الأمد، لا تقل أهمية عن المعارك العسكرية في سبيل بناء سوريا حرة وعادلة. فهل ينجح السوريون هذه المرة في اقتلاع هذه الآفة من جذورها، أم ستبقى شبحاً يلاحقهم في ظل أي نظام قادم؟ هذا ما ستكشفه الأيام.










أضف تعليق