يشهد لبنان اليوم مشهداً سياسياً بالغ التعقيد والتوتر، يتأثر بعمق بالتطورات الإقليمية وتداعيات الصراعات المستمرة في المنطقة. ومع اغتيال الأمين العام لحزب الله، السيد حسن نصر الله، يدخل لبنان وحزب الله نفسه مرحلة جديدة تحمل في طياتها تحديات غير مسبوقة وفرصاً محتملة لإعادة تشكيل المشهد السياسي.
لطالما كان حزب الله، تحت قيادة حسن نصر الله، قوة مهيمنة في الساحة اللبنانية، ليس فقط كقوة عسكرية، بل كلاعب سياسي واجتماعي رئيسي يتمتع بنفوذ واسع في الدولة ومؤسساتها. وقد عززت شخصية نصر الله الكاريزمية، وخطابه المقاوم، وعلاقته الوثيقة بإيران، من مكانة الحزب كحامي للمقاومة ودرع ضد أي تهديدات إسرائيلية. اغتياله، بغض النظر عن الجهة المسؤولة، يمثل زلزالاً سياسياً يعيد ترتيب الأوراق بشكل جذري.
أولاً، على صعيد حزب الله نفسه، ستكون عملية اختيار الخلف تحدياً كبيراً. نصر الله لم يكن مجرد زعيم، بل كان رمزاً للحزب، وموحداً لصفوفه، وصوتاً مسموعاً في المنطقة. أي خلف سيواجه مهمة صعبة تتمثل في الحفاظ على تماسك الحزب، وضمان استمرارية خطه الأيديولوجي والعسكري، والتأقلم مع بيئة إقليمية ودولية متغيرة. قد يؤدي هذا التغيير القيادي إلى صراعات داخلية على السلطة أو إعادة تقييم لبعض الاستراتيجيات، خاصة فيما يتعلق بعلاقته بإيران وسياسته تجاه الصراعات الإقليمية.
ثانياً، على الصعيد اللبناني الداخلي، من المرجح أن يؤدي اغتيال نصر الله إلى تفاقم الأزمة السياسية الحالية في لبنان. لقد عانى لبنان بالفعل من فراغ رئاسي، وشلل حكومي، وانهيار اقتصادي. كان حزب الله، بوزنه السياسي والعسكري، عنصرًا حاسماً في تشكيل أي حكومة أو تحديد مسار أي تسوية سياسية. غياب نصر الله قد يفتح الباب أمام قوى سياسية أخرى لمحاولة فرض أجنداتها، مما قد يزيد من الاستقطاب الطائفي والسياسي. قد نشهد محاولات لإعادة توازن القوى بين المكونات اللبنانية، مما قد يؤدي إلى مزيد من الفوضى أو، في أفضل الأحوال، إلى فرصة لإعادة بناء الثقة بين الأطراف المختلفة.
ثالثاً، على الصعيد الإقليمي، سترصد القوى الإقليمية والدولية عن كثب التطورات في لبنان. إيران، الحليف الرئيسي لحزب الله، ستكون حريصة على ضمان استمرارية نفوذها في لبنان من خلال الحزب، وقد تزيد من دعمها للخلف الجديد. إسرائيل، التي تعتبر حزب الله تهديداً أمنياً كبيراً، قد ترى في هذا التطور فرصة لتقليل نفوذ الحزب، أو قد تستغل الفراغ السياسي لتنفيذ عمليات أمنية. الدول العربية، التي غالباً ما ترى في حزب الله ذراعاً إيرانية، قد تسعى لتعزيز نفوذها في لبنان، أو قد تدعم قوى سياسية أخرى للحد من هيمنة الحزب.
أخيراًَ، يطرح اغتيال نصر الله سؤالاً حاسماً حول مستقبل المقاومة في لبنان. هل سيحافظ حزب الله على قدرته العسكرية ومكانته كقوة مقاومة؟ أم أن هذا الحدث سيضعف من قدرته على الردع، ويجعله أكثر عرضة للضغوط الداخلية والخارجية؟ الإجابة على هذه الأسئلة ستعتمد على قدرة الحزب على التكيف، وعلى طبيعة القيادة الجديدة، وعلى التطورات في المشهد الإقليمي.
في الختام، يجد لبنان نفسه على مفترق طرق خطير بعد اغتيال حسن نصر الله. مستقبل حزب الله، والوضع السياسي في لبنان ككل، سيعتمد بشكل كبير على كيفية إدارة هذه الأزمة من قبل الأطراف الداخلية والإقليمية، وعلى قدرتها على التكيف مع التحديات الجديدة في ظل بيئة متغيرة ومضطربة.










أضف تعليق