الصراع الروسي الأوكراني

أن الصراع الدائر بين روسيا وأوكرانيا ليس مجرد مواجهة عسكرية، بل هو حرب معلومات معقدة وتنافس سياسي على السردية وتأثير على الرأي العام العالمي. منذ بدايته، أظهر هذا الصراع كيف يمكن للأخبار المضللة والدعاية أن تلعب دوراً حاسماً في تشكيل التصورات والتحالفات الدولية.

على الصعيد السياسي، يبدو أن الهدف الروسي الأساسي يتجاوز السيطرة على الأراضي إلى إعادة تشكيل النظام الأمني الأوروبي والحد من نفوذ حلف الناتو، وهو ما تعتبره موسكو تهديداً لأمنها القومي. الخطاب الروسي يركز باستمرار على “نزع النازية” في أوكرانيا، وحماية المتحدثين بالروسية، ورفض التوسع الغربي، وهي روايات تهدف إلى تبرير تدخلها داخلياً وخارجياً. من جانبها، تصر أوكرانيا، بدعم غربي واسع، على سيادتها ووحدة أراضيها، وتصور الحرب على أنها معركة من أجل الديمقراطية وحق تقرير المصير ضد العدوان.

الدور الإعلامي هنا لا يقل أهمية عن الميداني. فمن خلال متابعة التغطية الإخبارية، نلاحظ كيف أن كلا الجانبين يوظفان الإعلام بشكل مكثف للتأثير على الرأي العام. أوكرانيا، بقيادة الرئيس زيلينسكي، أتقنت فن التواصل الرقمي، مستخدمة وسائل التواصل الاجتماعي بفعالية لحشد الدعم الدولي، وإظهار صمود شعبها، وفضح الانتهاكات الروسية. في المقابل، تسعى روسيا للسيطرة على السردية عبر قنواتها الرسمية، وتكافح ضد ما تعتبره “دعاية غربية”، بينما تواجه قيوداً على حرية الإعلام داخلياً.

مستقبل الوضع السياسي معقد وغير مؤكد. على الرغم من الجهود الدبلوماسية المتواصلة، لم يتم التوصل إلى حل سياسي شامل ينهي الصراع. كل طرف يتمسك بمواقفه، مما يجعل التوصل إلى تسوية سلمية أمراً صعباً. يبدو أن الصراع تحول إلى حرب استنزاف طويلة الأمد، حيث تسعى روسيا لتحقيق أهدافها من خلال الضغط العسكري والاقتصادي، بينما تعتمد أوكرانيا على الدعم الغربي للحفاظ على مقاومتها وقدرتها الدفاعية.

التبعات السياسية تتجاوز حدود الدولتين. لقد أثر الصراع على أسعار الطاقة العالمية، وسلاسل الإمداد، والأمن الغذائي، وعزز من دور الناتو، ودفع العديد من الدول الأوروبية إلى إعادة تقييم سياساتها الدفاعية. كما أنه أحدث شرخاً عميقاً في العلاقات بين روسيا والغرب، وأعاد تشكيل خرائط التحالفات الدولية.

من منظور إعلامي، فإن التحدي الأكبر يتمثل في التمييز بين الحقائق والروايات المتحيزة، وتقديم تحليل شامل للوضع، مع الأخذ في الاعتبار تعدد الأصوات ووجهات النظر. الصراع الروسي الأوكراني هو دراسة حالة حية لكيفية أن السياسة والإعلام يتشابكان بشكل لا ينفصم في العصر الحديث، وكيف أن السردية يمكن أن تكون بنفس قوة السلاح في تشكيل مستقبل الأمم.

أضف تعليق

تصنيف الأخبار

سوريا لكِ السلام

نزار قبانى: 
كل الدروب لدى الأوربيين توصل إلى روما
كل الدروب لدى العرب توصل إلى الشعر
وكل دروب الحب توصل إلى حلب
صحيح أن موعدى مع حلب تأخر ربع قرن
وصحيح أن النساء الجميلات لا يغفرن لرجل
لا ذاكرة له ولا يتسامحن مع رجل لا ينظر
فى أوراق الروزنامة.