يُعد حسني الزعيم شخصية محورية في تاريخ سوريا الحديث، ليس فقط لكونه أول من قاد انقلاباً عسكرياً ناجحاً في البلاد، بل لدوره في إرساء سابقة خطيرة أثرت على المسار السياسي السوري لعقود تالية. كانت فترة حكمه قصيرة، لكنها كانت مليئة بالتحولات والقرارات المثيرة للجدل.
النشأة والمسار العسكري:
وُلد حسني الزعيم في حلب عام 1897، وتلقى تعليمه العسكري في الكلية الحربية العثمانية. خدم في الجيش العثماني، ثم انضم إلى الجيش الفرنسي خلال فترة الانتداب على سوريا ولبنان. تدرج الزعيم في الرتب العسكرية، واكتسب خبرة واسعة، مما أهّله ليصبح قائداً للجيش السوري بعد استقلال البلاد.
الانقلاب الأول: 1949:
في 30 مارس 1949، قاد حسني الزعيم انقلاباً عسكرياً ضد الحكومة المدنية المنتخبة برئاسة الرئيس شكري القوتلي. جاء هذا الانقلاب في سياق اضطرابات سياسية داخلية، وفشل الجيش السوري في حرب 1948 ضد إسرائيل، مما أثار استياءً واسعاً من الأداء الحكومي. برر الزعيم انقلابه بـ “إصلاح الأوضاع المتردية” و”محاربة الفساد”. سرعان ما سيطر الزعيم على مقاليد الحكم، وأصبح رئيساً للجمهورية بعد إجراء استفتاء شكلي.
فترة حكم قصيرة ومثيرة للجدل:
على الرغم من وعوده بالإصلاح، اتسمت فترة حكم الزعيم التي لم تتجاوز أربعة أشهر بالعديد من التحديات والقرارات الجدلية:
- النهج السلطوي: مارس الزعيم حكماً فردياً، وقام بحل الأحزاب السياسية، وقمع المعارضين، مما أثار استياءً واسعاً في الأوساط السياسية والشعبية.
- علاقاته الخارجية: سعى الزعيم إلى بناء علاقات قوية مع الدول الغربية، خاصة الولايات المتحدة وفرنسا، في محاولة للحصول على الدعم والمساعدات. كما أقدم على توقيع هدنة مع إسرائيل، وهو ما اعتبره البعض تنازلاً غير مقبول.
- المشاريع التنموية: حاول الزعيم إطلاق بعض المشاريع التنموية، لكن الفترة القصيرة لحكمه لم تسمح بتحقيق إنجازات ملموسة.
- العلاقة مع الدول العربية: توترت علاقاته مع بعض الدول العربية، خاصة العراق والأردن، بسبب سياسته وتقاربه مع الغرب.
النهاية الدراماتيكية:
لم يدم حكم حسني الزعيم طويلاً. ففي 14 أغسطس 1949، وبعد 137 يوماً فقط في السلطة، قاد زملاؤه في الجيش، وعلى رأسهم سامي الحناوي، انقلاباً عسكرياً آخر ضده. أُلقي القبض على الزعيم ورئيس وزرائه محسن البرازي، وتم إعدامهما رمياً بالرصاص في اليوم نفسه، ليصبح بذلك أول رئيس سوري يُعدم بعد انقلاب عسكري.
الإرث:
ترك حسني الزعيم إرثاً معقداً في التاريخ السوري. فمن جهة، يُنظر إليه كأول من كسر القاعدة الديمقراطية في سوريا، وفتح الباب أمام سلسلة طويلة من الانقلابات العسكرية التي ميزت الحياة السياسية السورية لعقود. ومن جهة أخرى، يرى البعض أن انقلابه كان محاولة يائسة للخروج بسوريا من حالة الفشل والاضطراب التي كانت تعيشها بعد حرب 1948. بغض النظر عن التقييم، لا يمكن إنكار أن حسني الزعيم شخصية لا تزال تثير الجدل، وتُقدم درساً مهماً في ديناميكية العلاقة بين السلطة والجيش في الدول النامية.










أضف تعليق